عبد العزيز يكتب :فرق توقيت اليوم عيد. فتحت عيني على ابتسامة أمي توقظني بلطف و حب وصوت كالنغم “كل سنة و انت طيب”

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 26 يونيو 2017 - 9:26 مساءً
عبد العزيز يكتب :فرق توقيت اليوم عيد. فتحت عيني على ابتسامة أمي توقظني بلطف و حب وصوت كالنغم “كل سنة و انت طيب”

عبد العزيز يكتب :فرق توقيت
اليوم عيد.
فتحت عيني على ابتسامة أمي توقظني بلطف و حب وصوت كالنغم “كل سنة و انت طيب”
تهاني و قبُلات من أخواتي البنات، أخي الأكبر مع أبي في البلكونة، راديوا صوت العرب يذيع الأغاني الوطنية، كيف لا و معركة أكتوبر لم يمر عليها سوى عشرون يوماً، ذهبت و قبَّلت “النُّونَة”، أخي الأصغر، مازال رضيعاً برائحة الجنة، بحثت عن ملابس العيد، كانت في أحضاني قبل النوم، برفق و ابتسامة، توجهني ماما، “اغسل وشك الأول و بعد ما نفطر البس هدوم العيد”.

الفطور اليوم متميز، رقاق بالحليب و فوقه سمن بلدي “قمة الرفاهية” ، شربنا الشاي مع الكعك و البسكويت الذي صنعته أمي و أخواتي في أواخر رمضان في احتفال كبير اشترك فيه الجميع، و تم قبله التنسيق مع الجارات لحجز الفرن و صاجات الخبز و عدة نقش الكعك.

ارتديت ملابس العيد، الجديدة، قميص أبيض و بنطلون أسود، و شراب أبيض، و حذاء لامع أسود، “قمة الشياكة”
أدخل أبي يده في جيبه و أخرج حافظة نقوده العريضة و أعطاني “شلناً و رقياً جديداً” خمسة قروش كاملة، ” لقد أصبحت اليوم ثرياً”، ماما تحذرني “أوعى حد ياخد الفلوس منك، و ما تصرفش عيديتك كلها مرة واحدة”
بعض الجيران حضروا للتهنئة و أعطوني العيدية، قروشاً إضافية، و ثبت على الباب يغمرني الفرح، و أنا أعد خطة اللعب و المرح، ، و أشرقت أحلامي أمامي ماثلة، فقد جنيت اليوم ثروة طائلة.

العيد هذا العام مُكتَمِل، الناس في بهجة و في عيونهم الأمل، كل شيء اليوم متاح، و التبذير مباح، و البائعين على الأرصفة يبيعون كل شيء، و الأسعار تتراوح بين قرش و تعريفة “نصف قرش” أمامي كل الخيرات، حمص الشام، و عرقسوس، و كشري، و تين شوكي، و قصب، و بسكويت، و نوجة، و عسلية، و بخت، و زمارة، و طبلة، و بالونة، مراجيح، كيف لا و نحن نعيش في القاهرة “قمة التقدم”

مشياً لمسافة ثلاثة كيلومترات فقط، قصدت كورنيش النيل في شبرا، هناك الحدائق الكبرى، الناس كثيرة و الأطفال يلعبون و يمرحون في ملابسهم الجديدة، و البنات في فساتينهن الصغيرة الملونة يشبهن الأزهار المتفتحة، أسرعت لمكاني المفضَّل، عند بوابة ترعة الإسماعيلية على النيل، هناك على الشاطئ أشجار التين البنغالي الضخمة العجيبة، تدلي جذوراً من فروعها تنساب كضفائر جنية وديعة من أسطورة بديعة، هناك مراكب النزهة، مراكب شراعية ناعسة و كأنها خرجت من لوحة زيتية لرسام مبدع، “الأجرة قرش صاغ”، على لوح الخشب الضيق صعدت إلى المركب الخشبية العتيقة، و جلست بين الأطفال في صخب أشبه بصخب العصافير المزدحمة عند شروق الشمس على شجرة وارفة، انطلقت بنا المركب تشق مياه النيل، في نعومة و انسياب مريح، مائلة في اتجاه الريح، مددت ذراعي القصير، أداعب المياه بكفي الصغير، في نشوة و سعادة كبيرة، و بعد الرحلة المثيرة، تسلقت شجرة التين البنغالي، فاتسخ قميصي الأبيض الغالي، فلم أُبَالي، و شاركت الأطفال في اللعب، حتى أدركني التعب، اشتريت عوداً من القصب، و قبل أن أستريح، تذكرت المراجيح.
و فجأة…،صدمتني المرآة.

رأيت رجلاً قد غزا الشيب لحيته و تَطلَّع إلى جُمَّتِه.
سألتها متى أنا؟.
قالت بعد بضع و أربعين سنة؟
سألتها أين أم الصابرين.
قالت ماتت قبل بضع و عشرين، و تبعها أبيك بعد بضع سنين.
سألتها أين أخي المولود.
قالت غير موجود، مات من قبل عامك، و أيتامه أمامك.
سألت أين أخواتي البنات؟
قالت هيهات، جدَّاتٌ، كبيراتٌ، مريضات بعيدات.
سألت أين ملابس العيد؟
قالت بَلِيَت مُنذ عهدٍ بَعيد.
سألت أين فرحة النصر و لمعة الأمل في عيون البشر؟
قالت قد غادرت مصر و أطفئها الغدر و الوهم و قصر النظر.
سألتها أين عيدي أليس رمضان قد انقضى.
قالت ليس لك عيد، ذلك عهد ولَّى و مَضَى.

………….. محمد عبد العزيز …………..

Comments

comments

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صوت الشباب العربي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.